فخر الدين الرازي

186

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

[ سورة الليل ( 92 ) : آية 13 ] وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى ( 13 ) ففيه وجهان الأول : أن لنا كل ما في الدنيا والآخرة فليس يضرنا ترككم الاهتداء بهدانا ، ولا يزيد في ملكنا اهتداؤكم ، بل نفع ذلك وضره عائدان عليكم ولو شئنا لمنعناكم من المعاصي قهرا ، إذ لنا الدنيا والآخرة ولكننا لا نمنعكم من هذا الوجه ، لأن هذا الوجه يخل بالتكليف ، بل نمنعكم بالبيان والتعريف ، والوعد والوعيد الثاني : أن لنا ملك الدارين نعطي ما نشاء من نشاء ، فيطلب سعادة الدارين منا ، والأول أوفق لقول المعتزلة ، والثاني أوفق لقولنا . أما قوله تعالى : [ سورة الليل ( 92 ) : الآيات 14 إلى 16 ] فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى ( 14 ) لا يَصْلاها إِلاَّ الْأَشْقَى ( 15 ) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى ( 16 ) تلظى أي تتوقد وتتلهب وتتوهج ، يقال : تلظت النار تلظيا ، ومنه سميت جهنم لظى ، ثم بين أنها لمن هي بقوله : لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى قال ابن عباس : نزلت في أمية بن خلف وأمثاله الذين كذبوا محمدا والأنبياء قبله ، وقيل : إن الأشقى بمعنى الشقي كما يقال : لست فيها بأوحد أي بواحد ، فالمعنى لا يدخلها إلا الكافر الذي هو شقي لأنه كذب بآيات اللّه ، وتولى أي أعرض عن طاعة اللّه . واعلم أن المرجئة يتمسكون بهذه الآية في أنه لا وعيد إلا على الكفار ، قال القاضي : ولا يمكن إجراء هذه الآية على ظاهرها ، ويدل على ذلك ثلاثة أوجه أحدها : أنه يقتضي أن لا يدخل النار إلا الأشقى الذي كذب وتولى فوجب في الكافر الذي لم يكذب ولم يتول أن لا يدخل النار وثانيها : أن هذا إغراء بالمعاصي ، لأنه بمنزلة أن يقول اللّه تعالى : لمن صدق باللّه ورسوله ولم / يكذب ولم يتول : أي معصية أقدمت عليها ، فلن تضرك ، وهذا يتجاوز حد الإغراء إلى أن تصير كالإباحة ، وتعالى اللّه عن ذلك وثالثها : أن قوله تعالى : من بعد وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى [ الليل : 17 ] يدل على ترك هذا الظاهر لأنه معلوم من حال الفاسق ، أنه ليس بأتقى ، لأن ذلك مبالغة في التقوى ، ومن يرتكب عظائم الكبائر لا يوصف بأنه أتقى ، فإن كان الأول يدل على أن الفاسق لا يدخل النار ، فهذا الثاني يدل على أن الفاسق لا يجنب النار ، وكل مكلف لا يجنب النار ، فلا بد وأن يكون من أهلها ، ولما ثبت أنه لا بد من التأويل ، فنقول : فيه وجهان الأول : أن يكون المراد بقوله : ناراً تَلَظَّى نارا مخصوصة من النيران ، لأنها دركات لقوله تعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ [ النساء : 145 ] فالآية تدل على أن تلك النار المخصوصة لا يصلاها سوى هذا الأشقى ، ولا تدل على أن الفاسق وغير من هذا صفته من الكفار لا يدخل سائر النيران الثاني : أن المراد بقوله : ناراً تَلَظَّى النيران أجمع ، ويكون المراد بقوله : لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى أي هذا الأشقى به أحق ، وثبوت هذه الزيادة في الاستحقاق غير حاصل إلا لهذا الأشقى . واعلم أن وجوه القاضي ضعيفة . أما قوله أولا : يلزم في غير هذا الكافر أن لا يدخل النار فجوابه : أن كل كافر لا بد وأن يكون مكذبا للنبي في دعواه ، ويكون متوليا عن النظر في دلالة صدق ذلك النبي ، فيصدق عليه أنه أشقى من سائر العصاة ، وأنه كذب وتولى وإذا كان كل كافر داخلا في الآية سقط ما قاله القاضي .